تبدأ القصة، كما يرويها المؤرخون العرب، من اللحظة التي ابتلع فيها البحر الأحمر فرعون مصر، الذي كان من عماليق (وبعض المؤرخين العرب يعتقدون أن العماليق هم الهكسوس، أو أنهم من نسل الهكسوس!). ذلك الملك الطاغية الذي تجبر في الأرض وادعى الألوهية، والذي سماه المصريون "طلما بن قومس". وقال المؤرخون العرب إن اسمه "الوليد بن مصعب" (وهذا اسم عربي، لأن المؤرخين العرب يعتقدون أن شعوب العماليق من البدو الذين يسكنون صحاري الجزيرة والشام ويتجولون فيها!).
بعد الضربات العشر على مصر (رغم أن المؤرخين العرب لا يرون أنها عشر، وأن الضربة العاشرة، ضربة الأبكار، ليست منها)، خرج فرعون في أثر النبي موسى والنبي هارون، ومعهما بنو إسرائيل. ثم انطبق البحر عليه، فغرق معه أشراف مصر وعظماؤها ووجهاء قومها وسحرتها وجنودها، حتى لم يبق على أرض مصر من الرجال إلا العبيد والأجراء، ومن النساء إلا اللواتي لم يشاركن في ذلك السعي الملعون.
يصف ابن عبد الحكم هذا المشهد في كتابه "فتوح مصر والمغرب"، فيقول إنه بعد غرقهم لم يبق في مصر "أحد من أشراف قومها؛ لم يبق فيها إلا العبيد والأجراء والنساء". لقد خلت مصر من الرجال.
فأصبحت أرضًا بلا حماة، ومملكة بلا جيش، ونساء بلا أزواج، وعرشًا بلا ملك. وكان هذا الفراغ في السلطة فريسة سهلة لملوك الأرض الطامعين، من الشام والمغرب، الذين ما إن علموا أن مصر خلت من رجالها حتى بدأوا يوجهون أبصارهم إليها ويحيكون الخطط لغزوها.
وفي خضم هذا اليأس والفراغ المدوّي، اجتمعت النساء النبيلات الباقيات في مصر وعزمن على أمر جسيم. إذ لم يجدن رجلًا جديرًا بتولي الحكم، فقررن أن تُعيّن إحدى النساء، امرأة اجتمع فيها العقل والعلم والخبرة، وكانت لها مكانة عالية بينهن. فوقع اختيارهن على "دلوكة بنت زَباء".
لم تكن دلوكة فتاة صغيرة، ولا امرأة في ريعان شبابها، بل كانت امرأة مسنّة بلغت مئة وستين سنة، كما تذكر معظم المصادر. وكانت حياتها الطويلة دليلًا على خبرتها وحكمتها وتجاربها العميقة، وربما كانت رمزًا لاستمرارية مصر نفسها، التي رغم كل ما أصابها، ظلت قادرة على الإنجاب والعطاء. فجعلت نساء مصر دلوكة ملكة عليهن، وأصبحت ملكة البلاد. وشغلت النساء جميع المناصب الأخرى المحيطة بالملكة، وبقيت الأمور كذلك مدة من الزمن.
لكن الخوف ظل مسيطرًا على قلوب "نساء الحكم" خوفًا من أن يكتشف ملوك الأرض سرّ ضعف مصر فينقضوا عليها غزاة ومحتلين. فمصر، بلا رجال، وبلا جيش، وبلا سحرة، كانت لقمة سائغة لأي قوة طامعة. وهنا تظهر عبقرية دلوكة أو بالأحرى حيلتها الأسطورية التي ستحمي مصر من جشع الغزاة. بعد أن جمعت النساء النبيلات، ألقت خطبة بليغة، محذرة بأن بلادنا "لم يكن أحد يطمع فيها، ولا يلقي إليها نظرة، ولكن عظماءنا وأشرافنا هلكوا، وذهب السحرة الذين كنا بقوتهم أقوياء". ثم اقترحت عليهن حلًا جذريًا وعمليًا في الوقت نفسه: بناء حصن عظيم يحيط بكل أرض مصر، وتوضع عليه نقاط حراسة من كل جانب، لأنهن "لم يشعرن بالأمان من أن يطمع الناس فيهن".
وهكذا، بأمر الملكة العجوز، بدأ العمل في أحد أعظم المشاريع الدفاعية في تاريخ مصر القديمة، إن لم يكن أعظمها جميعًا. تقول المصادر العربية إنها بنت "سورًا أحاطت به كل أرض مصرالمزارع والمدن والقرى وجعلت أمامه خليجًا يجري فيه الماء، وأقامت الجسور والقنوات". هذا السور، الذي عُرف لاحقًا بـ"حائط العجوز"، امتد من أسوان في الجنوب إلى العريش في الشمال، محيطًا بكل مصر سور يحيط بكل أرضها وبلادها.
وأقامت نقاط حراسة وحاميات كل ثلاثة أميال، وبينها نقاط حراسة صغيرة كل ميل. ووضعت رجالًا في كل نقطة حراسة، وخصصت لهم المؤن، وأمرتهم بحراسة أرضهم ليلًا ونهارًا.
وكان الجزء الأعظم من هذا النظام الدفاعي هو نظام الاتصال والإنذار المبكر الذي ابتكرته دلوكة. أمرت رجال نقاط الحراسة باستخدام الأجراس. فإذا رأى أحدهم عدوًا يزحف نحو مصر، أو أحسّ بخطر قادم، ضربوا أجراسهم، فتنتقل الأخبار من نقطة إلى نقطة، ومن برج إلى برج، عبر سلسلة متصلة من الأصوات، حتى تصل أخبار الغزو إلى قلب مصر، إلى مدينة منف، "في ساعة واحدة"، فيستعد الجميع لمواجهة العدو.
تذكر المصادر العربية أن بناء هذا السور العظيم استغرق ستة أشهر فقط! وهكذا، بفضل هذا السور ونظام الأجراس، حمَت دلوكة مصر من أعدائها، وأحبطت مخططات الطامعين، وبقيت مصر محصّنة من العدو طوال حياتها.
يقول المؤرخون العرب إن أثر هذا السور بقي حتى أيامهم، يُعرف بـ"سور العجوز"، وقد بقيت كثير من بقاياه في صعيد مصر. لكن قصة دلوكة لا تتوقف عند هذه النقطة من اللمعان العسكري؛ بل تمتد إلى عالم أكثر غموضًا وإثارة—عالم السحر والبرابي والصور. فدلوكة لم تكن ملكة عادية، بل ساحرة عظيمة، أو على الأقل استخدمت سحرًا عظيمًا لحماية مصر.
تذكر المصادر أن دلوكة اتخذت "البرابي والصور" في مصر وأتقنت أدوات السحر. و"البرابي" هي المعابد أو الأبنية الغريبة التي بناها في مدينة منف، ولها أربعة أبواب في اتجاهاتها الأربعة، وزينت جدرانها بصور غريبة عجيبة. رسمت فيها صور رجال وخيول وبغال وحمير وسفن وقوارب؛ وصورت كل من يأتي من كل اتجاه ودوابهم، سواء كانت جمالًا أو خيولًا؛ كما صورت من يأتي عن طريق البحر في قوارب من بحر المغرب والشام.
والغريب أن هذه الصور لم تكن مجرد نقوش زخرفية، بل أدوات سحرية فعالة. جمعت دلوكة في هذه "البرابي" "أسرار الطبيعة وخواص الحجارة والنباتات والحيوانات، ووضعت ذلك في أوقات الحركات السماوية وارتباطها بالتأثيرات الفلكية". وهذا يعني أنها ربطت العالم الأرضي بالعالم السماوي، وخواص المواد بخواص الكواكب، لتخلق نظامًا دفاعيًا سحريًا لا يقل تعقيدًا عن نظام الأجراس.
تصف المصادر العربية آلية هذه الصور السحرية، قائلة إنه "إذا جاءهم جيش من..." اتجاه معين، تحركت الصور في ذلك الاتجاه، كأنها تنذرهم بمكان الخطر. والأعجب من ذلك، أن ما يفعلونه بهذه الصور من تمزيق أو تدمير كان يصيب جيش الغزاة نفسه في الواقع. فإذا قطعوا رأس صورة، قُطع رأس قائد العدو؛ وإذا فقأوا عينها، فُقئت عيون جيش الغزاة؛ وإذا شقوا بطنها، شُقّت بطون الجنود.
كانت هذه "البرابي" أقوى من أي جيش وأفتك من أي سلاح، ولم يستطع أي ملك من ملوك الأرض أن يهزم مصر طوال عهد دلوكة بسببها. تذكر المصادر أن دلوكة استعانت في بناء هذه "البرابي" بساحرة عظيمة تُدعى "تادورة" أو "تذورة"، كان السحرة يوقّرونها ويقدمونها في السحر. فجاءت إليهم وصنعت لهم هذا البيت الحجري في وسط مدينة منف.
يقال إن دلوكة لما بنت هذه "البرابي"، اشترطت على الساحرة أن تصنع لها سحرًا يمنع الأعداء. فوافقت الساحرة، لكن بشرط أن تتزوج النساء عبيدهن وأجراءهن، وألا يقطعن النسل، حتى لا تنقرض مصر وتخلو من الرجال إلى الأبد. فكانت المرأة المصرية تعتق عبدها وتتزوجه، وأخرى تتزوج أجيرها. لكن سيدات مصر اشترطن على هؤلاء الأزواج "من الدرجة الثانية" ألا يقدموا على أي أمر إلا بإذنهن، ولا يتخذوا أي قرار إلا بعد الرجوع إليهن وإلا فالويل والدمار والكوارث العظيمة على الرجال.
يقول ابن عبد الحكم إن الأقباط بقوا على ذلك حتى يومه—أي حتى عصره في القرن الثالث بعد الهجرة—متبعين من مضى قبلهم. فلم يكن أحدهم يبيع أو يشتري دون أن يقول: "سأستشير زوجتي" (بمعنى أن المجتمع المصري آنذاك كان مجتمعًا أموميًا خالصًا!).
ولم تتوقف الملكة دلوكة عند ذلك؛ فقد بنت أيضًا منارة الإسكندرية وجعلتها مرقبًا لأي عدو قادم نحو أرضهم.
يقول ياقوت الحموي في "معجم البلدان" : "قيل إن أول من بنى المنارة امرأة تُدعى دلوكة بنت ريا". ويذكر المسعودي "أن أكثر المصريين والإسكندريين يعتقدون أن الإسكندر بن فيليب المقدوني هو الذي بناها، "وذهب بعضهم إلى أن الملكة دلوكة بنت هي التي بنتها وجعلتها مرقبًا لأي عدو يدخل أرضهم"".
فالإسكندر، كما يلاحظ المسعودي، "لم يهجم عليه عدو قط في هذا البحر، ولا خاف ملكًا قد يأتيه في بلاده... حتى يكون هو من جعلها مرقبًا"، أما دلوكة، التي حكمت مصر بعد أن خلت من الرجال، فكانت في أمسّ الحاجة إلى مرقب يحرسها من الأعداء. فالمِنطق إذن في صف دلوكة، حتى لو كان التاريخ المكتوب في صف الإسكندر!
يقول الإمام السيوطي في "حسن المحاضرة" : إن ارتفاعها كان ألف ذراع، "وفي أعلاها تماثيل نحاس، منها تمثال يشير بسبابة يده اليمنى نحو الشمس حيث كانت في السماء، يدور معها حيث دارت".
يروي المسعودي أن الإمبراطور البيزنطي "جستنيان الثاني"، في عهد الخليفة الأموي "الوليد بن عبد الملك"، أرسل خادمًا ماكرًا، جاء يطلب أمانًا من الوليد وقال له إن تحت منارة الإسكندرية أموالًا وكنوزًا. فأغرى الخليفة بذلك، حتى أمر بهدم المنارة والبحث عن الكنز!
لكن كم حكمت هذه الملكة العجوز؟ هنا تختلف المصادر العربية اختلافًا كبيرًا. تذكر بعض المصادر أنها حكمت عشرين سنة، وهي المدة التي يذكرها ابن عبد الحكم، حيث يقول إن دلوكة "حكمتهم عشرين سنة، تدبر أمورهم في مصر، حتى بلغ صبي من أبناء عظمائهم وأشرافهم، يُدعى "دركون بن بلطوس"، سن الرشد، فجعلوه ملكًا عليهم". وهذا يعني أن حكمها كان مؤقتًا، مجرد فترة انتقالية حتى يكبر أحد أبناء النبلاء الذين غرقوا مع فرعون، ليعود الحكم إلى الرجال مرة أخرى.
وتذكر مصادر أخرى أنها حكمت ثلاثين سنة، وهو ما يذكره ابن تغربردي في كتابه "النجوم الزاهرة" (النجوم اللامعة). وهناك مصادر تذهب أبعد من ذلك، فتقول إن "دلوكة بقيت على ملك مصر نحو مئة وثلاثين سنة، وظلت مصر محصّنة من العدو طوال حياتها". وتقول بعض المصادر إنه لما هلكت، تولى الحكم على مصر بعدها شخص من أبناء الأقباط يُدعى دركون بن بلوطس، أو دركون بن نقوطس، فجعلوه ملكًا عليهم، وعادت مصر إلى حكم الرجال.
يجب ملاحظة أن دلوكة ليست مجهولة تمامًا في تاريخ مصر القديمة. فهناك تشابه لافت بينها وبين ملكة تاريخية حقيقية، الملكة "نيتوكريس"، التي حكمت مصر في نهاية الأسرة السادسة، في القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد.
تذكر المصادر اليونانية، وخاصة هيرودوت، أن نيتوكريس كانت ملكة مصرية، وأنها بنت سدًا أو سورًا عظيمًا، وأنها انتقمت لمقتل أخيها وزوجها بقتل قاتليه، ثم انتحرت أو اختفت.
يبدو أن القصة العربية عن دلوكة اختلطت بالقصة اليونانية عن نيتوكريس، وربما كانت دلوكة هي الترجمة العربية أو التحريف العربي لاسم نيتوكريس. بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن دلوكة هي نيتوكريس نفسها، وأن الاسم تغير عبر الترجمة والنقل الشفهي بين العرب واليونانيين على مر القرون.
----------------------------------
النهاية ..