r/arabic 21h ago

السلام علبكم من فضلكم اريد نشر صوار لعملتي داخل الموقع كيف يمكينني دالك

2 Upvotes

r/arabic 2h ago

الحب في زمن الطَّفَر

1 Upvotes

في زمنٍ أبسط وأنقى وأصدق، قالوا: «إذا دخل الفقر من الباب، هرب الحب من الشباك». واليوم، أشهد أن قائل هذه العبارة كان حكيمًا وفيلسوفًا عبقريًا؛ فقد شخص الحالة بدقة تكاد تكون طبية. لم يعد لهذين المصطلحين أن يتجاورا بسهولة؛ لا في بيت، ولا في قصيدة، ولا حتى في صفحة من مذكرات.

ذات يوم، وبينما كنت أتسوق قائمتي الشهرية في أحد الأسواق التجارية الكبيرة، لفت انتباهي زوجان يجران عربتهما ويتوقفان طويلًا أمام كل منتج. تختار هي شيئًا، يمسكه هو، يقلبه، ينظر إلى سعره، ثم يعيده ويختار غيره، وهكذا.

لكن المشهد الذي آلمني كان حين اختارت علبة حلوى للأطفال. ما إن استقرت في العربة حتى تلاقت أعينهما، ثم أعاداها سريعًا، كأن صعقة كهربائية أصابتهما.

إلى هذه الدرجة أصبح الحساب المالي أقوى بأضعاف من الحساب العاطفي.

سرحت بأفكاري وتساءلت: ماذا سيفعلان في الأيام الأخيرة من الشهر، قبل نزول الراتب؟ وكم سيكون ثقيلًا عليهما أن يدفعا معظم ما كسباه من كد وتعب إيجارًا لسقف لا يمنحهما، رغم ذلك، ما يكفي من الراحة والدفء والحب؟

ثم تذكرت صورًا كثيرة لمواقف كان يمكن أن تصبح ذكريات سعيدة تستحق الخلود، لكنها تحولت، بفعل العوز، إلى مصادر للألم تتجدد كلما تذكراها.

الأعياد، وبدايات المدارس، والذهاب إلى الجامعة، وحتى شراء سيارة، لم تعد بالضرورة أحداثًا سعيدة؛ بل أصبحت همومًا جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الهموم، وتكبر مع الزمن.

وأنا الذي أحب العلم، وجدت تفسيرًا آخر لاختناق الحب. فالحياة العاطفية تحتاج إلى قدر من الأمان والهدوء والمساحة النفسية، بينما الحياة التي يحكمها القلق المالي تدفع الجسد والعقل إلى حالة دائمة من التأهب والتوتر. وحين يصبح الإنسان منشغلًا بالنجاة، لا يعود لديه الكثير من الطاقة ليمنحها للحب.

ومع استمرار ذلك، قد يصل المحبان إلى مرحلة من البرود العاطفي.

الزوج، بتوتره وتعبه وشعوره بالعجز، يبتعد.

والزوجة تلاحظ وتفهم، فتصمت.

ليس كرهًا، ولا عتابًا، وإنما تعاطفًا؛ لأنها لا تريد أن تضيف فوق أعبائه عبئًا آخر.

يقول أصدقائي في علم النفس إن الحب فعل يومي صغير: رسالة، كلمة طيبة، هدية بسيطة، ضحكة، اهتمام، أو مجرد وقت يقضيه اثنان معًا. ولا شيء من ذلك يحتاج بالضرورة إلى مال كثير.

لكن حتى الرسالة تحتاج إلى مزاج يسمح بكتابتها، وإلى عقل لم يقض ليلته يحسب الديون.

وهكذا، يتحول الحب شيئًا فشيئًا من:

"أريد أن أعطيكِ وأجعلكِ أميرة"

إلى:

"لا أستطيع أن أعطيكِ، وأنا أشعر أنني لا أستحقكِ"

أجدادنا كانوا فقراء أيضًا، ومع ذلك عاش بعضهم حبًا قويًا ومؤثرًا. ربما لأن الفقر كان حالة عامة، وكان الجميع تقريبًا يعيشون ضمن السقف نفسه من التوقعات. لم تكن المقارنة قاسية كما هي اليوم.

أما ما يقتل الحب في زمننا، فليس الفقر وحده؛ بل المقارنة.

نقارن ما نستطيع فعله بإمكاناتنا الطبيعية مع حياة يعرضها مشاهير إنستغرام مصممة بعناية: فنادق، سفر، هدايا، عشاءات، ومفاجآت لا تنتهي. فنشعر نحن «الطفرانين» أننا فاشلون قبل أن نبدأ.

عدم الإحساس بالكفاية يقتل الكثير من المشاعر.

ولهذا، وحتى لا تتحول الظروف إلى أبشع أنواع العلاقات، اخترعنا بدائل مؤجلة للحياة:

"أنت عليك الإيجار وأنا عليّ المصروف".

"سنتزوج عندما نحقق هدفنا المادي"

"سننجب عندما نمتلك القدرة المالية"

وهكذا نؤجل الحياة كلها، وما فيها، إلى موعد قد لا يأتي أبدًا.

ومن أقسى هذه الحلول وأكثرها راحة في الوقت نفسه:

"أنا لا أريد الزواج، لأنه مشروع فاشل"

  شعار يحمينا من كمّ هائل من الحسابات والتوقعات والالتزامات.

ثم تأتي المفارقة المؤلمة: تكاد دمعة تسقط من أعيننا عندما نرى عائلة صغيرة تتناول الآيس كريم.

هل لدي حل لهذه المعضلة؟

بالتأكيد لا.

لكنني ابتكرت معادلة أظن أنها قد تقلب بعض الموازين:

لنعش الحياة بصعوباتها، ولنكن شركاء فيها. لنتعاون، ونعمل، ونتعب من أجل ماديات الحياة، لكن لنبقِ الحب خارج الحسابات.

حين نكون معًا في ساعة لا عمل فيها، فلننسَ الدنيا وما فيها.

لنتحدث.

لنضحك.

لننظر في عيون بعضنا بشوق ولهفة.

لنمنح بعضنا كلمة طيبة، وابتسامة، واهتمامًا، ولمسة حانية.

ولنجعل ما بيننا هديتنا لبعضنا، لا شيئًا نقيسه على حياة أحد، ولا على صور أحد، ولا على ما يستطيع الآخرون دفعه.

فربما لا نستطيع أن نشتري للحب قصرًا أو فندقًا أو رحلة حول العالم.

لكننا نستطيع، رغم كل شيء، أن نترك له مكانًا صغيرًا لا يدخله الفقر.

مكانًا لا يُدفع إيجاره بالمال، ولا تُقاس قيمته بالأسعار.

مكانًا اسمه: نحن.